الدكتور فؤاد الهاشمي يكشف أسباب الإصابة بقرحة المعدة في رمضان وكيفية الوقاية منها

فبراير 27, 2026 - 19:51
 0
.
الدكتور فؤاد الهاشمي يكشف أسباب الإصابة بقرحة المعدة في رمضان وكيفية الوقاية منها

تيليغراف.ما - الرباط

في شهر تتغير فيه إيقاعات الحياة والعادات الغذائية، يفتح الدكتور فؤاد الهاشمي ملفاً صحياً بالغ الأهمية، مسلطاً الضوء على سبل التصدي لجرثومة المعدة خلال شهر رمضان المبارك، ومفككاً العلاقة المعقدة بين المائدة الرمضانية وصحة الجهاز الهضمي.

الدكتور فؤاد الهاشمي، المتخصص في التغذية العلاجية (Therapeutic Nutrition) ومؤسس Holisticaid، المنظومة الطبية العالمية التي تقدم خدماتها للمرضى حول العالم عبر الطب الاتصالي (Telehealth)، إلى جانب استقبال المرضى في عياداتها بالمغرب، يقارب هذا الموضوع من زاوية علمية دقيقة. فهو يضع بين أيدينا معطى لافتاً يتمثل في أن أكثر من 90% من المغاربة يعانون من جرثومة المعدة، وهي من الاضطرابات التي تتفاقم حدتها لدى عدد من الصائمين خلال رمضان.

وفي حوار خاص مع جريدة "تيليغراف.ما"، يكشف الدكتور الهاشمي، صاحب عدة دراسات منشورة، من بينها مساهماته في European Journal of Science, Innovation and Technology، عن الأسباب الكامنة وراء الإصابة بجرثومة المعدة، وكيف تتطور أعراضها في ظل التغيرات الغذائية التي يفرضها الشهر الفضيل.

كما يشارك القراء خلاصة خبرته العلمية والعملية المتعلقة بأهم الاستراتيجيات الغذائية الكفيلة لمواجهة جرثومة المعدة خلال رمضان، واضعاً الصائم أمام رؤية علمية متكاملة تحول الصيام من عبء على المعدة إلى فرصة لإعادة التوازن واستعادة العافية.

دكتور فؤاد الهاشمي، هل يؤدي اتباع عادات غذائية غير متوازنة خلال شهر رمضان إلى زيادة خطر الإصابة بجرثومة المعدة؟ وما أبرز أسباب الإصابة بها؟ 

في اليوم الخامس من رمضان، وهي فترة حرجة يبدأ فيها الجهاز الهضمي بالتكيف. العادات الغذائية غير المتوازنة لا تُنشئ الجرثومة من العدم، لكنها تكسر "الدفاعات الكيميائية" للمعدة، مما يمهد الطريق للإصابة بـ Helicobacter pylori. 

الدور الحاسم لحمض المعدة (Hypochlorhydria):

النقطة الجوهرية التي يجب أن يفهمها الصائم هي أن حمض الهيدروكلوريك (HCL) هو خط الدفاع الأول والأساسي ضد الميكروبات التي تدخل مع الطعام. العادات الرمضانية الخاطئة (مثل الإفطار المفاجئ على كميات ضخمة من السكريات والمقليات) تؤدي إلى حالة من نقص حمض المعدة (Hypochlorhydria).

هذا الانخفاض في الحموضة يخلق بيئة "مضيافة" تسمح للجرثومة بالبقاء على قيد الحياة والاستيطان ثم الانتشار. والأخطر من ذلك هو ما نسميه في الطب "الحلقة المفرغة" (Positive-feedback loop):

1. العادات السيئة تضعف إفراز الحمض.

2. انخفاض الحمض يسمح للجرثومة باستعمار بطانة المعدة.

3. الجرثومة تفرز إنزيم "اليورياز" (urease) الذي يعادل الحموضة حولها ويسبب ضموراً (Atrophy) في الخلايا المفرزة للحمض.

4. هذا الضمور يؤدي بدوره إلى مزيد من انخفاض الحمض، مما يجعل المعدة أكثر عرضة للإصابة المستمرة والمزمنة.

أبرز أسباب الإصابة (خاصة في سياق رمضان):

• تلوث الأطعمة الرمضانية، مثل الخضروات الورقية في "السلطات" أو الفواكه التي لم تُغسل وفق بروتوكول صحي دقيق.

• الوجبات السريعة والمكشوفة التي يزداد استهلاكها عند ضيق الوقت قبل الإفطار.

• العدوى عبر الأواني: مشاركة كؤوس الماء أو الملاعق في التجمعات العائلية دون تعقيم كافٍ.

"هذا ما نركز عليه في التغذية العلاجية؛ فالهدف ليس فقط قتل الجرثومة بالمضادات الحيوية، بل إعادة توازن البيئة الحمضية للمعدة لمنع تكرار العدوى، وهو موضوع أفصل فيه القوانين البيوكيميائية في كتابي القادم." 

 ما أبرز المأكولات الرمضانية المغربية التي قد تساهم في تفاقم أعراض جرثومة المعدة؟

المائدة المغربية غنية بالأطباق الشهية، لكن للأسف بعض مكوناتها وطرق تحضيرها تُعتبر "وقوداً" لجرثومة المعدة والتهاباتها. بصفتي متخصصاً في التغذية العلاجية، أرى أن المشكلة تكمن في ثلاثة عناصر رئيسية:

1. "الشباكية" والحلويات المقلية (العدو الأول):

تجمع الشباكية بين السكريات المركزة والزيوت المهدرجة والدقيق الأبيض. هذا المزيج يسبب "تخمراً" سريعاً في المعدة، مما يوفر بيئة غنية لتكاثر البكتيريا ويقلل من كفاءة حمض المعدة (HCl). السكر هو الغذاء المفضل للالتهابات، مما يجعل بطانة المعدة ضعيفة جداً أمام اختراق الجرثومة.

2. "الحريرة المغربية" (عند تحضيرها بطريقة خاطئة):

رغم فوائدها، فإن "الحريرة" التي تعتمد على "التدويرة" (الدقيق الأبيض) تكون ثقيلة جداً على المعدة الملتهبة. كما أن مزج الطماطم الحامضة مع القطاني (الحمص والعدس) قد يسبب تهيجاً في جدار المعدة لدى المصابين بالجرثومة، مما يزيد من شعورهم بالانتفاخ والحرقان مباشرة بعد الإفطار.

3. "المسمن" و"البغرير" (المعجنات غير المختمرة جيداً):

هذه المعجنات الغنية بالجلوتين والدهون تتطلب جهداً كبيراً من المعدة لهضمها. وفي ظل حالة نقص الحموضة (Hypochlorhydria) التي يعاني منها مريض الجرثومة، تظل هذه الأطعمة لفترة طويلة في المعدة، مما يسبب ارتجاعاً مريئياً ويزيد من حدة التآكل في الغشاء المخاطي.

في هذه المرحلة من الشهر، أنصح القراء باستبدال "التدويرة" بالخضروات المطحونة في الحريرة، والتقليل من الحلويات المقلية، لأن الهدف هو رفع الحموضة الدفاعية للمعدة وليس إغراقها في سموم بيوكيميائية تُضعف مناعتها.

بإضافة ارتجاع المريء (Acid Reflux) وحرقة المعدة (Heartburn)، تكتمل الصورة التشخيصية التي سيستفيد منها قراء Telegraph.ma. من المهم جداً، كما أشرت، توضيح أن هذه الأعراض ليست حتمية في كل الحالات، لأن استجابة الجسم تختلف من شخص لآخر.

ما أعراض جرثومة المعدة؟ ومتى تظهر عادة؟ وهل يمكن أن تتفاقم خلال شهر رمضان؟

تُعتبر جرثومة المعدة "العدو الخفي"، لأن أعراضها تتجاوز حدود المعدة لتؤثر على الجسم ككل، كما أنها تختلف بشكل كبير من مريض لآخر.

الأعراض الهضمية والجسدية الشاملة:

بالإضافة إلى الألم والانتفاخ، تظهر مجموعة من الأعراض:

• ارتجاع المريء وحرقة المعدة (Acid Reflux & Heartburn): يشعر الكثيرون بحرقة تصعد نحو الصدر أو بطعم حمضي في الفم. لكن يجب التأكيد على أن هذه الأعراض لا تظهر في كل الحالات؛ فبعض المصابين قد لا يعانون من أي حرقان، بينما يعاني آخرون من ارتجاع شديد نتيجة خلل صمام المريء بسبب الغازات الناتجة عن نشاط الجرثومة.

• خفقان القلب (Heart Palpitations): ضربات قلب سريعة، خاصة بعد الإفطار، نتيجة تهيج العصب التائه (Vagus Nerve) الذي يربط المعدة بالقلب.

• التعرق وضيق التنفس: شعور بالتعرق أو ثقل في التنفس نتيجة ضغط المعدة المنتفخة على الحجاب الحاجز.

• الصداع المزمن: ناتج عن اضطراب "المحور الواصل بين الأمعاء والدماغ" وامتصاص بعض السموم البكتيرية.

متى تظهر عادة؟ وهل تتفاقم في رمضان؟

تظهر الأعراض بوضوح عندما تبدأ الجرثومة في كسر الدفاعات المخاطية للمعدة. نعم، يمثل رمضان "اختباراً" حقيقياً للمعدة؛ فالفراغ الطويل للمعدة نهاراً يجعل الحمض يلامس القروح مباشرة، بينما الصدمة الغذائية ليلاً (السكريات والمقليات) تزيد من حدة الارتجاع والالتهاب، مما يدخل المريض في "الحلقة المفرغة" التي نناقشها دائماً في التغذية العلاجية.

بصفتي دكتوراً في التغذية العلاجية، أشدد دائماً على أن غياب الحرقة لا يعني غياب الجرثومة. التشخيص الدقيق عبر الفحوصات المخبرية هو السبيل الوحيد للتأكد، قبل البدء في بروتوكول "إعادة ضبط الميزان" الغذائي.

هل صحيح أن نسبة الإصابة بجرثومة المعدة في المغرب تصل إلى 90%؟ وما مدى دقة هذه الأرقام؟ 

هذا الرقم ليس مجرد مبالغة إعلامية، بل هو واقع تؤكده الدراسات السريرية الميدانية في مختلف جهات المملكة، وإن كانت النسب تختلف قليلاً حسب المناطق والفئات العمرية. بصفتي متخصصاً، أرى أن هذه الأرقام تعكس حالة "توطن" (Endemic) لهذه البكتيريا في بيئتنا.

تحليل البيانات الجغرافية للإصابة في المغرب:

تُظهر الدراسات الحديثة أرقاماً تدق ناقوس الخطر، خاصة في بعض الجهات:

• أكادير وتارودانت (النسب الأعلى): سجلت دراسة حديثة في المستشفى الجهوي بأكادير أن نسبة انتشار الجرثومة لدى المرضى الذين خضعوا للفحص بالمنظار وصلت إلى 91.5%. كما سجل مستشفى الحسن الثاني والمصحات المحلية في منطقة سوس-ماسة نسباً تجاوزت 91% بناءً على عينات من مرضى يعانون من عسر الهضم.

• الدار البيضاء: أظهرت الدراسات في المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد (خاصة بمستشفى الأطفال عبد الرحيم الهاروشي) نسباً مرتفعة تتجاوز 80% لدى الأطفال، مع ملاحظة مقلقة لارتفاع نسبة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية.

• فاس ومكناس: سجلت الأبحاث في المستشفى الجامعي الحسن الثاني بفاس نسبة 69.9%، بينما سجلت دراسة في المستشفى العسكري مولاي إسماعيل بمكناس نسبة تقارب 68%.

ماذا تعني هذه الأرقام بالنسبة للصائم؟

تعني هذه الأرقام أن احتمال حمل الجرثومة كبير جداً. لكن لماذا يعاني البعض بينما لا يشعر الآخرون بشيء؟ السر يكمن في "بيئة المعدة".

 في اليوم الخامس من رمضان، وهذه الأرقام المرتفعة تشرح لنا لماذا نرى طوابير المرضى في العيادات هذه الأيام؛ فالعادات الغذائية غير المتوازنة تكسر "حالة التعايش" مع الجرثومة وتجعلها تهاجم جدار المعدة مستغلة حالة نقص الحموضة (Hypochlorhydria) التي تسببها السكريات والمقليات الرمضانية.

بصفتي دكتوراً في التغذية العلاجية، قمت بتطوير برامج غذائية تخصصية تهدف إلى استئصال بيئة جرثومة المعدة ومنع تكرار العدوى عبر ترميم الغشاء المخاطي وتقوية "الميزان" الحمضي للمعدة. تعتمد هذه البروتوكولات على أسس بيوكيميائية علمية أفصلها في كتابي القادم، وهي مصممة لتحويل الصيام من تحدٍ صحي إلى فرصة حقيقية للشفاء الجذري والوقاية المستدامة.