تعفن الدماغ يثير القلق بشأن تأثير المحتوى الرقمي على التركيز والصحة الذهنية
في كل مرة يفتح فيها المستخدم هاتفه، يجد نفسه أمام سيل لا ينتهي من الصور ومقاطع الفيديو: مغامر يجوب العالم، شاب يروج لحياة بعيدة عن التكنولوجيا، ثم رجل أعمال يتحدث عن مستقبل الذكاء الاصطناعي، هذا التدفق المتواصل قد يبدو مسليا، لكنه يطرح سؤالا مقلقا: هل نحن نستهلك هذا المحتوى… أم هو الذي يستهلك عقولنا؟
وخلال الأشهر الأخيرة، انتشر على منصات التواصل الاجتماعي مصطلح جديد هو "تعفن الدماغ"، في إشارة إلى التأثيرات السلبية للإفراط في مشاهدة محتوى رقمي سريع وسطحي، ورغم أن المصطلح ليس علميا، فإنه أصبح وصفا شائعا لحالة يشعر فيها كثيرون بتراجع التركيز، وارتفاع القلق، وضعف القدرة على التفكير العميق.
صانعة المحتوى الألمانية تيزيانا بوسيك كانت من بين الأصوات التي أعادت إشعال هذا النقاش، حين أطلقت سلسلة فيديوهات تنتقد فيها طبيعة المنصات الرقمية الحديثة، معتبرة أنها تدفع المستخدمين نحو استهلاك بلا وعي، بدل تعزيز المعرفة والانتباه.
وقالت أن "تعفن الدماغ" لا يعني التلف الحرفي للدماغ، بل يشير إلى تآكل القدرة على التركيز والتحليل بسبب التعرض المستمر لمحتوى سطحي.
ومن زاوية علم الأعصاب، يرى أستاذ علم الأعصاب في جامعة كورنيل كوستانتينو إياديكولا أن السلوكيات المرتبطة بالتمرير المستمر على الهاتف تشبه إلى حد كبير أنماط الإدمان الأخرى، فكما يحدث مع المخدرات أو القمار، يتفاعل الدماغ مع دفعات سريعة من المتعة، ما يخلق حلقة من التعلق يصعب كسرها.
وتشير دراسات سابقة إلى أن المراهقين المصابين بإدمان الإنترنت يعانون من اضطراب في التواصل بين مناطق الدماغ المسؤولة عن الذاكرة والانتباه وضبط السلوك، وهذا يعني أن قضاء ساعات طويلة أمام محتوى منخفض الجودة قد لا يمر من دون ثمن، خاصة في مرحلة يكون فيها الدماغ في طور النمو.
ويرى مختصون أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في نوعية المحتوى الذي يهيمن على الشاشات، فالفيديوهات القصيرة المصممة لجذب الانتباه بسرعة من مقاطع طريفة إلى رقصات عابرة قد تبدو بريئة، لكنها تستهلك طاقة ذهنية كبيرة دون أن تقدم قيمة معرفية حقيقية.
وأوضحت الدكتورة نيدي غوبتا، المتخصصة في طب الأطفال، أن العقل البشري يمتلك قدرة محدودة على التركيز، وعندما يتعرض لوابل من المحفزات الرقمية، تبدأ الأولويات في التلاشي، النوم، العلاقات الاجتماعية، وحتى الأداء الدراسي أو المهني، كلها قد تتأثر نتيجة هذا "الضجيج الرقمي"،
وأضافت أن المحتوى السريع لا يترك مجالا للدماغ كي يستقر أو يعالج المعلومات بعمق، بل يبقيه في حالة استثارة دائمة، ما يؤدي مع الوقت إلى إرهاق ذهني وشعور دائم بالتشتت.
ورغم عدم وجود تعريف علمي دقيق لـ"تعفن الدماغ"، إلا أن الرسالة الأساسية واضحة: الإفراط في استهلاك المحتوى السريع والمنخفض الجودة يمكن أن ينعكس سلبًا على صحتنا الذهنية. ويقترح الخبراء أن الحل لا يكمن في مقاطعة التكنولوجيا، بل في ترشيد استخدامها، والحرص على اختيار محتوى يغذي العقل بدل أن يستنزفه.












































