الرياض تنتقل من الوساطة إلى هندسة مرحلة ما بعد الحرب في السودان
عبد السلام القصاص
لم تعد السعودية تنظر إلى الحرب السودانية باعتبارها أزمة تحتاج إلى جولات تفاوض جديدة أو جهود وساطة إضافية. فبعد سنوات من القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتعثر المبادرات الإقليمية والدولية في فرض تسوية مستدامة، تبدو الرياض وكأنها انتقلت إلى مرحلة أكثر تقدماً تتجاوز إدارة الأزمة إلى هندسة المشهد السياسي الذي سيليها.
وتكشف التحركات السعودية الجارية بعيداً عن الأضواء أن اهتمام المملكة لم يعد منصباً على وقف الحرب بقدر تركيزه على شكل السلطة التي ستدير السودان في اليوم التالي. وفي صلب هذه المقاربة يبرز مشروع لتشكيل حكومة مدنية تحظى باعتراف دولي واسع، لكنها في الوقت نفسه تنسجم مع رؤية قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وتحافظ على موقع المؤسسة العسكرية باعتبارها القوة الفعلية الممسكة بمفاصل الحكم.
وبحسب معلومات أوردتها مصادر متخصصة في الشأن الأفريقي، من بينها ما نشره موقع «أفريكا إنتلجنس» الفرنسي، يقود مسؤولون سعوديون اتصالات مكثفة مع شخصيات مدنية سودانية تتمتع بحضور سياسي واجتماعي مؤثر، بهدف بناء كتلة مدنية قادرة على توفير الغطاء السياسي والشرعية الدولية لمرحلة جديدة تتصدر فيها الواجهة المدنية المشهد، فيما تبقى مراكز القرار الأساسية بيد المؤسسة العسكرية.
وبهذا المعنى، لا تبدو الحكومة المدنية المطروحة انتقالاً فعلياً من الحكم العسكري إلى الحكم المدني، بقدر ما تمثل إعادة صياغة للعلاقة بين الطرفين. فالمطلوب ليس إقصاء المؤسسة العسكرية عن السلطة، وإنما إعادة تقديمها بصورة أكثر قبولاً لدى المجتمع الدولي، عبر واجهة مدنية تمتلك القدرة على مخاطبة العواصم الغربية والمؤسسات الدولية بلغة السياسة والدبلوماسية.
وتعكس هذه المقاربة تحولاً لافتاً في الدور السعودي داخل السودان. فالمملكة، التي قادت إلى جانب الولايات المتحدة مفاوضات جدة عام 2023 بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار، تبدو اليوم وقد انتقلت من موقع الوسيط إلى موقع المساهم في رسم ترتيبات المرحلة المقبلة. ولم يعد الهدف جمع أطراف النزاع حول طاولة التفاوض، بل المشاركة في صياغة ملامح السلطة الجديدة وتحديد شكل الشرعية التي ستحكم البلاد بعد انتهاء الحرب.
ولا يمكن فصل هذا التحول عن الحسابات الاستراتيجية السعودية. فالسودان يمثل إحدى أهم نقاط الارتكاز على البحر الأحمر، كما يشكل بوابة استراتيجية بين القرن الأفريقي وأفريقيا جنوب الصحراء. ومن هذا المنطلق، تنظر الرياض إلى أي فراغ سياسي طويل الأمد في الخرطوم باعتباره فرصة قد تتيح لقوى إقليمية منافسة توسيع نفوذها في منطقة تعدها المملكة جزءاً من أمنها القومي ومجالها الحيوي.
ويأتي التحرك السعودي أيضاً في ظل احتدام التنافس الإقليمي على السودان. فالحرب لم تعد مجرد صراع داخلي على السلطة، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع النفوذ الإقليمية والدولية. ومن هنا تبدو الرياض حريصة على المساهمة في إنتاج شريك سياسي قادر على حماية مصالحها وضمان حضورها في مرحلة ما بعد الحرب.
ومع ذلك، تدرك السعودية أن أي صيغة تمنح الشرعية للسلطة القائمة من دون معالجة الأسباب العميقة التي قادت إلى الصراع، قد تؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بدلاً من حلها، وتعيد البلاد إلى دوامة الانقسامات التي مزقت الدولة السودانية خلال السنوات الأخيرة.
وفي المحصلة، لا تبدو التحركات السعودية الراهنة محاولة لإنهاء الحرب بقدر ما تمثل سعياً لإدارة نتائجها سياسياً. إنها محاولة لإعادة بناء الشرعية حول البرهان من خلال إطار مدني جديد يمنح السلطة القائمة اعترافاً دولياً أوسع، ويخفف الضغوط المفروضة عليها، من دون أن يحدث تحولاً جوهرياً في موازين القوة التي أفرزتها الحرب.




























































