تيليغراف.ما - الرباط
أعادت المشاهد الأخيرة لمحاولات الهجرة غير النظامية سباحة نحو ثغر سبتة المحتلة، فتح نقاش عمومي واسع منصات التواصل الاجتماعي وفي الأوساط السياسية حول واقع الشباب المغربي.
هذه المظاهر، التي توثق اندفاع فئات من الشباب والقاصرين نحو خيار المغامرة، وان كان ربطها بسياق قرار المحكمة العليا الإسبانية الذي صدر مؤخرا وقضى بمنع إعادة المهاجرين، (المظاهر) تضع البرامج الحكومية الموجهة للشباب والتشغيل أمام محك حقيقي، وتطرح تساؤلات موضوعية حول مدى قدرة القطاعات الوصية على استيعاب تطلعات هذه الفئات وتوفير آفاق اقتصادية واجتماعية مستدامة لها.
برامج قطاع الشباب: تحدي الأثر والامتداد الاجتماعي
في واجهة هذه التساؤلات، يبرز دور وزارة الشباب والثقافة والتواصل، التي يقودها الوزير محمد مهدي بنسعيد. ورغم إطلاق الوزارة لمجموعة من المبادرات والبرامج الرامية إلى تعزيز إدماج الشباب وتطوير البنيات التحتية الثقافية والترفيهية، إلا أن النقاش الحالي يتساءل بوضوح عن مدى "الأثر الميداني" لهذه المشاريع في المناطق الهشة وضواحي المدن.
هذه المشاريع صرفت عليها ميزانيات ضخمة من المال العام ولم تعطي النتائج المرجوة منها.
ويرى متابعون المحلي أن المقاربات المعتمدة، وإن كانت تحمل نوايا إيجابية، تحتاج إلى ملاءمة أكبر مع الاحتياجات الحقيقية للشباب الذين يعانون من غياب الأفق؛ فالرهان اليوم يتجاوز تنشيط الفضاءات العمومية إلى ابتكار حلول سريعة وملموسة تمنح الشباب الثقة في مغربهم وتصالحهم مع السياسات العمومية الموجهة إليهم، وهو التحدي الذي يفرض على القطاع الوصي مراجعة آليات الاشتغال والتسريع من وتيرة التمكين الفعلي.
معضلة البطالة و"ملايين خارج التعليم والشغل": قطاع التشغيل في قلب المساءلة
على صعيد آخر، ترتبط إشكالية الهجرة غير النظامية بشكل بنيوي بملف التشغيل، وهو المجال الذي يقع تحت مسؤولية وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، يونس السكوري. وتأتي هذه التطورات في وقت تسجل فيه المؤشرات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط تحديات مستمرة في سوق الشغل، لاسيما الارتفاع المقلق لمعدلات البطالة بين حاملي الشهادات، واستمرار تنامي ظاهرة الشباب خارج منظومة التعليم والعمل والتدريب (NEET).
ورغم الرهان الحكومي على برامج مثل "أوراش" (الذي أتبث فشله) لإنعاش الشغل المؤقت، إلا أن الواقع يثبت حاجة الاقتصاد الوطني إلى فرص شغل قارة ومنتجة للقيمة ومدرة للدخل الكافي للعيش الكريم.
ويفرض تزايد رغبة الشباب في مغادرة أرض الوطن مساءلة برلمانية وسياسية صريحة لمدى نجاعة هذه الإستراتيجيات، ومدى قدرتها على تقديم بدائل حقيقية تغني عن ركوب قوارب الموت أو المغامرة سباحة نحو المجهول.
لا يمكن أن تظل معالجة إشكالية الهجرة من شواطئ الشمال رهينة المقاربة الأمنية وحدها حيث تجد القوات العمومية نفسها أمام تطبيق القانون وفرض الامن وهي مناسبة يجب التنويه فيها بالمجهودات التي تبذلها القوات الأمنية في مدن الشمال.
اشكالية الهجرة ويأس بعض الشباب تتطلب بالأساس إجابات تضمن الكرامة الاقتصادية والاجتماعية حيث أن صياغة الحلول هي مسؤولية سياسية وتنفيذية مشتركة تقع على عاتق التدبير الحكومي المعني بالقطاعات الاجتماعية والإنتاجية.
إن هذه الظرفية الحساسة تستدعي من الوزارتين المعنيتين على غرار باقي الفاعلين تفعيلاً حقيقياً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وتقييم الحصيلة القطاعية بكامل الجرأة والموضوعية كما أن حماية الرأسمال البشري للمملكة، المتمثل في شبابها، تقتضي الانتقال من منطق المخططات المرحلية إلى بناء إستراتيجية وطنية مندمجة تعيد الأمل لجيل يتطلع إلى المساهمة في تنمية وطنه، وتثبت أن الكفاءة الحكومية تُقاس بمدى قدرتها على تغيير حياة المواطن العادي نحو الأفضل.