بسبب شيخوخة اليد العاملة.. إسبانيا تتجه لاستقطاب العمال الأجانب لقطاع البناء

يونيو 2, 2026 - 17:45
 0
.
بسبب شيخوخة اليد العاملة.. إسبانيا تتجه لاستقطاب العمال الأجانب لقطاع البناء

يعيش قطاع البناء في إسبانيا مفارقة لافتة ومثيرة للقلق؛ ففي الوقت الذي يسجل فيه النشاط طفرة نمو قوية ومستويات تشغيل غير مسبوقة، يجد نفسه على مشارف أزمة هيكلية حادة بسبب شيخوخة اليد العاملة المستمرة وصعوبة تعويض الأجيال المتقاعدة.

ووفقاً لتقرير "لمحة عن التوظيف في قطاع البناء" الصادر عن مرصد صناعة البناء، ونقلاً عن موقع "إسبانيا بالعربي"، فإن القطاع أنهى انتعاشته مسجلاً 1.53 مليون عامل، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2010 بنمو سنوي قدره 4.5% متفوقاً على قطاعي الصناعة والخدمات. 

ومع ذلك، فإن هذا الازدهار الرقمي يصطدم بواقع مرير، حيث بلغت نسبة العاملين الذين تزيد أعمارهم عن 55 عاماً نحو 22%، مما يعني أن واحداً من كل خمسة عمال سيغادر سوق العمل خلال العقد المقبل، في حين ارتفع متوسط عمر الشغيلة إلى 45.1 عاماً بزيادة ثلاث سنوات مقارنة بالعقد الماضي.

وتتجلى معالم هذه الفجوة الجيلية في ضعف إقبال فئة الشباب، إذ لا تتجاوز نسبة العمال دون سن الثلاثين 10.8% من إجمالي القوى العاملة، وهو ما يعكس عجزاً واضحاً في تجديد الدماء داخل الورش والشركات. وتظهر هذه المعضلة بحدة أكبر في مهن محورية.

حيث يقترب متوسط عمر سائقي الشاحنات من 50.6 عاماً، ويليه مشرفو البناء، وعمال الجص، ومشغلو الآلات بمتوسط يناهز 48 عاماً، مما يؤكد الهشاشة المتزايدة لبنية سوق العمل الإسباني التي لم تعد تعاني فقط من نقص الكفاءات المتخصصة كالكهرباء والسباكة ونجارة القوالب، بل باتت تفتقر حتى إلى العمالة الأساسية، لا سيما في المناطق ذات الضغط العقاري المرتفع مثل مدريد وكتالونيا.

ونتيجة للمخرجات المحدودة لمحاولات جذب الشباب المحلي، وجد القطاع نفسه يعتمد بشكل متزايد على العمالة الوافدة لسد هذا الخلل المتفاقم؛ حيث بات الأجانب يشكلون اليوم 25.3% من مجموع القوى العاملة في القطاع، ويتصدر المهاجرون القادمون من المغرب ورومانيا وكولومبيا المشهد كأبرز المساهمين في تغطية العجز البنيوي.

وفي سياق متصل، انعكست ندرة الكفاءات واليد العاملة إيجاباً على مداخيل المهنيين؛ إذ رصد تقرير مشترك لـ "InfoJobs" و"Esade" قفزة ملموسة في أجور البنائين والسباكين والكهربائيين لتتجاوز المتوسط الوطني نتيجة معادلة نقص العرض والطلب المتزايد.

أمام هذا الوضع المقلق، ترفع الهيئات المهنية وتيرة تحذيراتها بضرورة التدخل العاجل عبر تفعيل حزمة من الإجراءات تشمل تعزيز التكوين المهني، وتحسين صورة المهن اليدوية في أوساط الشباب، فضلاً عن تسهيل وتسريع مساطر الاعتراف بالمؤهلات الأجنبية.

وتأتي هذه الدعوات لتدارك أزمة سكن خانقة تعيشها إسبانيا أصلاً بسبب نقص المعروض وارتفاع الأسعار، حيث يتوقع الخبراء مغادرة أزيد من 139 ألف عامل للقطاع في غضون السنوات الخمس المقبلة، ما يهدد بفرملة مشاريع البنية التحتية والوحدات السكنية الجديدة، وتحويل نقص العمالة إلى العائق الأكبر أمام تحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي بالبلاد.