اختلالات وتلاعبات تهدد نزاهة برامج "دعم السكن المباشر" في المغرب
أطلقت الحكومة المغربية برنامج "دعم السكن المباشر"، بهدف تمكين الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط من اقتناء سكنها الأول، وذلك في إطار تعزيز قدرة المواطنين على امتلاك سكن لائق.
وينفذ هذا البرنامج عبر المنصة الرقمية "دعم سكن" (daamsakane.ma)، التي تتيح للمواطنين تقديم طلباتهم والاستفادة من الدعم المالي المباشر.
ويتم تحديد قيمة الدعم بناء على ثمن السكن: 70,000 درهم للمساكن التي يتراوح ثمنها بين 300,001 و700,000 درهم، و100,000 درهم للمساكن التي لا يتجاوز ثمنها 300,000 درهم.
ويشترط أن يكون السكن مخصصا للاستعمال الشخصي، وأن يسكن لمدة لا تقل عن خمس سنوات، وألا يكون قد سبق للمستفيد أن استفاد من دعم سكني سابق. ويتم إبرام عقد البيع لدى موثق معتمد، وتصرف قيمة الدعم مباشرة بعد إتمام الإجراءات القانونية.
وحتى يوليوز 2025، بلغ عدد الطلبات المقدمة عبر المنصة أكثر من 110,000 طلب، مع موافقة أولية على حوالي 111,569 طلبا.
وتمكنت الحكومة من صرف أكثر من 1.3 مليار درهم كدعم مباشر، مما ساهم في تحفيز قطاع العقار وخلق فرص عمل جديدة. وقد استفاد من هذا البرنامج أكثر من 55,000 شخص، منهم 22 بالمائة من المغاربة المقيمين بالخارج و42 بالمائة من النساء.
ورغم الأهداف التي يسعى لتحقيقها برنامج "الدعم المباشر للسكن"، ظهرت مجموعة من الخروقات التي تهدد نزاهة هذا البرنامج، خصوصا في مجال التعمير.
وتكشف المعطيات الأخيرة عن محاولات استغلال الثغرات القانونية لتحقيق مكاسب غير مشروعة على حساب المواطنين المستفيدين فعليا.
وباتت المفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية، بالتعاون مع مفتشية وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، مطالبة بالتحرك وفتح تحقيق دقيق حول شبهات التلاعب في ملفات طلبات رخص البناء المقدمة لدى الشباك الوحيد للتعمير بالجماعات الترابية، خصوصا فيما يتعلق بالاستفادة من الدعم المباشر للسكن.
وأوضحت مصادر مطلعة أن الرغبة في الحصول على رخص حديثة للسكن بغرض الاستفادة من الدعم الحكومي دفعت بعض المقاولين والخواص إلى تقديم طلبات رخص لبنايات قائمة أنجزت قبل سنة 2023، مستخدمين ثلاث حيل أساسية للحصول على رخص جديدة.
الحيلة الأولى تتعلق بطلب رخصة تسوية وضعية البنايات غير القانونية، حيث يتم إخفاء تصميم البناية المؤشر عليه من قبل المصالح الجماعية والادعاء بعدم توفر البناية على رخصة بناء أو رخصة تسليم السكن، ما يجعل رخصة التسوية تعتبر بديلا عن رخصة السكن.
أما الحيلة الثانية، فتتمثل في طلب رخصة الهدم وإعادة البناء لمبان تم تشييدها حديثا، رغم وجود رخص سابقة للبناء، وذلك للحصول على رخصة سكن حديثة تمكن المشتري من الاستفادة من الدعم المباشر.
وفي ما يخص الحيلة الثالثة، فتتمثل في طلب رخصة بناء على أنها لأرضية عارية، في حين أن البناية قائمة بالفعل، ليتم إصدار رخصة بناء وسكن بتاريخ حديث.
وأشارت التحقيقات إلى أن هذه الممارسات تنامت بشكل كبير على مستوى كافة الجماعات الترابية، حيث تشير المؤشرات إلى تواطؤ محتمل بين مصالح التعمير بالعمالات والجماعات الترابية والوكالات الحضرية، ما يستدعي القيام بمعاينات ميدانية دقيقة لورش البناء لجميع طلبات رخص البناء والتسوية والهدم وإعادة البناء، بالاعتماد على الصور الملتقطة من السلطات الإقليمية أو على تطبيقات متخصصة لتحديد وضعية القطع الأرضية.
كما بينت المصادر ذاتها أن بعض العمالات، مثل عمالة إقليم سيدي قاسم، مطالبة بالتدقيق في كافة ملفات طلبات رخص البناء والتسوية، بمشاركة الهيئة الجهوية للمهندسين المعماريين، لمراقبة أي خروقات محتملة، خاصة وأن المهندس المعماري يتحمل مسؤولية احترام مقتضيات تراخيص التعمير، بما فيها رخص البناء والسكن والتسوية.
ووفقا لذات المصادر، فإن متابعة هذه الملفات، تشمل مساءلة رؤساء الجماعات الترابية ونوابهم المفوضين في التوقيع على الملفات التي قد تكون شابتها مخالفات، مستشهدة بحالات محددة مثل بقايا سكنية بتجزئة "وليلي" تم تشييدها قبل مارس 2017 وتم تقديم طلب جديد لها للحصول على رخصة بناء بتاريخ يوليوز 2025، وهو ما يتجاوز المدة المحددة لمراسيم التسوية القانونية.
وأبرزت التحقيقات أيضا ملفات أخرى شبيهة، حيث تبين أن الفترة الزمنية بين الحصول على رخصة البناء ورخصة السكن في بعض الحالات لا تتجاوز أياماً معدودة، ما يجعل من المستحيل تنفيذ أشغال بناء فعلية خلال هذه المدة، ويؤكد أن الهدف الأساسي هو الاستفادة من برنامج الدعم المباشر للسكن الذي يصل إلى 10 ملايين سنتيم لكل عملية بيع مستقلة.
وتؤكد المصادر أن هذه الممارسات دفعت بعض المقاولين إلى البحث عن اقتناء مساكن قائمة وتصحيح وضعيتها القانونية، وأن معظم طلبات الرخص التي تم استصدارها في هذا الإطار كانت موكلة إلى مهندسين معماريين محددين.
وفي جهة مراكش-آسفي، فتحت وزارة الداخلية تحقيقات إدارية معمقة طالت أقسام التعمير في عدد من العمالات التابعة لها، على خلفية شكايات موثقة تفيد بتورط موظفين عموميين في تسريب معطيات وخرائط مشاريع التعمير قبل المصادقة عليها، لفائدة مضاربين ومنعشين عقاريين.
وأظهرت التحقيقات أن بعض رؤساء المصالح تحكموا في القرارات ذات الطابع الجماعي دون الرجوع إلى باقي مكونات الهيكلة الإدارية المحلية، مما خلق نوعا من "السلطة الموازية" داخل أقسام التعمير، سخرت لتمرير مصالح خاصة واستغلال فجوات القانون لتحقيق مكاسب شخصية.
في إقليم الناظور، كشفت لجنة تفتيش مركزية تابعة لمديرية الإدارة الترابية بوزارة الداخلية عن خروقات خطيرة في تدبير قطاع التعمير، ما أدى إلى الاشتباه في تورط حوالي 10 منتخبين وموظفين بالجماعات الثلاث (الناظور، بني أنصار، وبوعرك)، الذين سطر على أسمائهم ب "البنط العريض"، في تقديم تسهيلات غير قانونية للحصول على تراخيص بناء لمبان قائمة.
وشهدت مدينة الحسيمة هي الأخرى، فضائح جديدة مرتبطة بشركة العمران بعد تسجيل اختلالات جسيمة في اللائحة الخاصة بالمرشحين للاستفادة من السكن الاجتماعي بحي سيدي عابد، ما دفع عامل الإقليم إلى إلغاء هذه اللائحة بشكل نهائي.
وأكدت مصادر مطلعة أن القرار جاء عقب رصد خروقات تمثلت في إدراج عدد من الأشخاص ضمن قائمة المستفيدين من السكن الاجتماعي المدعم من الدولة، دون توفرهم على الشروط المطلوبة للاستفادة، في حين كان المشروع مخصصا لذوي الدخل المحدود.
وعقد عامل الإقليم اجتماعا مع جميع الأطراف المكلفة بالمشروع، حيث أعرب عن استيائه الشديد إزاء وجود أسماء في اللائحة كانت تضم أشخاصا من ميسوري الحال، مؤكدا أن السكن الاجتماعي موجه حصريا للفئات الهشة.
وفي هذا السياق، تقرر فتح باب التسجيل من جديد للراغبين في الاستفادة من شقق السكن الاجتماعي بمبلغ 140 ألف درهم، بشرط تقديم ما يثبت وضعيتهم الاجتماعية.
وأصدرت شركة العمران بلاغا تعلن فيه إلغاء اللوائح السابقة التي شملت مستفيدين غير مؤهلين، مؤكدة أنه تم وضع شروط جديدة تشمل تقديم نسخ رسم الزواج وشهادة الإقامة وغيرها من الوثائق التي لم تتوفر في الأشخاص الذين تم اختيارهم سابقا، ما يشير إلى أن إدارة الشركة تعاملت مع الملف بشكل عشوائي وأتاح مجالا للتلاعبات في البرنامج الموجه للفئات الهشة.




























































