الفنان كفاعل سياسي: بين التسويق السياسي والحاجة للتمثيل الثقافي

يونيو 15, 2026 - 20:37
 0
.
الفنان كفاعل سياسي: بين التسويق السياسي والحاجة للتمثيل الثقافي

فاطمة الزهراء حبيدة - طالبة باحثة بسلك الدكتوراه-القانون العام والعلوم السياسية- جامعة القاضي عياض

كثيرا ما يثير خبر اقتحام الفنانين للمجال السياسي، استياء فئة واسعة من المجتمع، إذ ساد عرف مجتمعي المجال السياسي هو حكر على ذوي التخصص من القانون أو الاقتصاد...، كأن القطاعات المعنية بالمجال الثقافي والفني مستثناة من الاهتمام السياسي، في حين أن الولوج لعالم السياسة ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة للترافع عن مطالب تحسين السياسة الثقافية، إذ سنويا يتخرج الالاف من طلبة من معاهد المختصة بالتمثيل أو التنشيط الثقافي والمسرحي، وكذلك معهد الصحافة والاعلام التي تعتبر كلها مجالات تندرج تحت وصاية وزارة الاتصال والثقافة والشباب، وأكيد أن هذه الفئة من المجتمع، تعرف إكراهات وتطالب بتجويد السياسات الموجهة لها في مواجهة القطاع الوصي، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال فاعل سياسي يمتلك خلفية ثقافية وفنية.

وعليه أثارت تزكية الممثلة فاطمة وشاي، لقيادة اللائحة الجهوية للحزب العدالة والتنمية، بجهة الدار البيضاء سطات، الحديث من جديد عن أهمية انخراط الفنانين في المجال السياسي، والدواعي الحقيقية لهذا الانخراط، وطرح تساؤلات ما إن كان الهدف توفير قاعدة مهمة من المصوتين أم غاية ذاتية للمرشحة في الترافع على الشأن الفني، بحكم تجربتها الكبيرة في هذا المجال.

غير أنه بتغيير زاوية قراءة هذا الانخراط السياسي، بشكل إيجابي فسيتيح فهم الإشكالات التي تعاني منها السياسة الثقافية والفنية، كالترافع على مطالب الدعم المالي الموجهة للمجال الثقافي، والسينمائي خاصة، على اعتبار أن هذه المجالات ليست مثالية جدا بل شأنها كباقي السياسات تعرف اكراهات مالية وبشرية، ويجب أن تحظى بنفس الاهتمام الذي تتصدره قطاعات كالصحة والتعليم.

يمكن إقحام الفن في السياسة من خلق جسور الوساطة، لإعادة التفكير في القضايا الثقافية التي ظلت مهمشة، ويعيشها من ينشطون في المجال الفني، وتعيدنا إشكالية الوساطة بين الفنانين والقطاع الوصي، لحدث وفاة الفنان المسرحي "أحمد جواد"، الذي توفي متأثرا بحروقه، نتيجة احتجاجه على وضعه في مواجهة القطاع الوصي، وهو ما يكشف عن هشاشة المؤسساتية في الوسط الثقافي، والأزمات الاجتماعية والاقتصادية للفنان نتيجة الاقصاء الفني، ومن هنا تتجسد أهمية التداخل بين المجال الثقافي والسياسي، عبر مد جسور التفاعل في إطار اللجان البرلمانية الدائمة لمخصصة لهذا الشأن كالتعليم والثقافة والاتصال، وعن طريقها يمكن نقل كافة الإشكالات هذا المجال.

تؤشر التحديات الحالية للفنانين، على وجود هوة حقيقية في الوساطة بين مجالي السياسة والفن أو الثقافة بصفة عامة، مما سيجعل الفنان إضافة للمجال السياسي، ليس على مستوى السياسي، بل الترافع على إشكالات القطاع، التي لا يستوعبها، ويناضل عنها إلا من خبر ردهات الفن وإكراهاته، لذا فالاستثمار السياسي في الفنانين، هو بدون شك إضافة نوعية، لكن يجب أن يصاحبه تأطير سياسي مكثف، وأن يكون مبني عن قناعة ذاتية ومهنية خاصة، وليس لمجرد سد لثغرة حزبية فحسب، سيسهم ذلك في كسر الصورة النمطية للفنان، الذي يُصور دائما في كونه منعزلا عن الواقع، وأن لا يتعدى دوره خشبة المسرح، أو قاعة التصوير، بل له كذلك إكراهات مهنية تتطلب حديثا وانخراطا في الشأن السياسي، لكي تجد أذانا صاغية لحلها.

ومن هذا المنطلق تشكل "شهرة" التي يحظى بها الفنان، عامل تأثير قوي، في نقل الخطاب السياسي، بشكل أكثر سرعة واستجابة، وذلك راجع للقاعدة الجماهيرية التي يحظى بها، وتتبع الإعلامي المتواصل لأنشطته في الفضاء الرقمي، مقارنة بمن لا يملكون هذا الامتياز، لكن رغم محاسن هذا الزواج بين "الفن" و"السياسة"، قد تثار بين الحين والآخر، إكراهات ناتجة عن ممارسة هذه الازدواجية في الأدوار، أن يخلق انقسام بخصوص مواقف "الفنان-السياسي"، نظرا لما تفرضه الممارسة السياسية، من إدلاء بمواقف، اتخاذ قرارات سياسية، التعبير عن قناعات، وكلها بدون شك لها تأثير مباشر على مجاله الفني، وجمهوره.

غير أن هناك تأويل تتبناه فئات شاسعة من المجتمع المغربي، تحصر نطاق التداخل بين الفن والسياسة، في كونه مجرد استغلال ومحاولة استقطاب من قبل الأحزاب للحصول على أكبر قاعدة من المصوتين، وهو ما يثير نوعا من التخوف المجتمعي من تسليع الحياة السياسية، وجعلها مجرد واجهة للمشاهير والشخصيات العامة للتأثير والاستعراض، بدل تدبير الحياة السياسية، أو أن الامر سينتج عنه اتباع خطابات تسويقية مُنفصلة عن الواقع، أو ينعكس بشكل سلبي يجعله في مواجهة صادمة مع شركات الإنتاج، والزملاء في المهنة، المخرجين...

لذا فلخلق حكومات متوازنة تراعي كل فئات المجتمع، باختلاف مجالات اهتمامها، من الواجب الانفتاح على كافة التخصصات والمجالات المهنية، لأن إصلاح أي مجال لا يمكن أن يتحقق بقراءة أحادية، بل بمزيج بين التطبيق والنظري، والاقتصار على عنصر واحد يؤدي لمعالجة إشكالات السياسة الثقافية بشكل غير واقعي، كما يجب أن يعقد المجتمع تصالحا مع المجال الفني، لكون أدواره أصبحت تتجاوز الترفيه والفرجة، إذ صار يشكل قوة ناعمة، ووسيلة للتأثير حيث صار الانتقال من "الترفيه" إلى "سلطة القرار" ضرورة ملحة، ولا يتحقق ذلك إلا باقتحام الفنان (ممثل، مغني...) للمجال السياسي.