الوثائق الجديدة للمندوبية السامية للتخطيط: لماذا لا تختزل أزمة سوق الشغل في البطالة؟
بقلم الدكتور عدنان بوشان: أستاذ زائر بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكادير باحث في قانون الشغل والعلاقات المهنية
أصدرت المندوبية السامية للتخطيط خلال شهري ماي ويونيو 2026 ثلاث وثائق مرجعية مهمة حول واقع ومستقبل سوق الشغل بالمغرب، تتمثل في المذكرة التقنية حول الانتقال من البحث الوطني حول التشغيل إلى البحث الجديد حول القوى العاملة، ومذكرة وضعية سوق الشغل خلال الفصل الأول من سنة 2026، إضافة إلى التقرير الاستشرافي حول الاقتصاد غير المنظم والنوع الاجتماعي والتحول الديموغرافي، وتكتسي هذه الوثائق أهمية خاصة لأنها لا تقدم مجرد معطيات إحصائية جديدة، بل تعكس تحولا عميقا في طريقة فهم سوق الشغل بالمغرب وتشخيص اختلالاته واستشراف مستقبله، فالأمر لا يتعلق فقط بتحديث أدوات القياس، وإنما بإعادة النظر في الكيفية التي ننظر بها إلى قضايا التشغيل والبطالة والإدماج الاقتصادي.
فلسنوات طويلة ظل النقاش العمومي يركز أساسا على معدل البطالة باعتباره المؤشر الرئيسي للحكم على وضعية التشغيل، غير أن المعطيات الجديدة تدفع إلى تجاوز هذه المقاربة التقليدية، وتكشف أن التحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب لا يتمثل في البطالة فقط، بل أيضا في ضعف المشاركة الاقتصادية لفئات واسعة من السكان.
فحسب نتائج أول بحث للقوى العاملة وفق المعايير الدولية الجديدة، يبلغ عدد السكان في سن الشغل حوالي 27,8 مليون شخص، بينما لا تتجاوز القوى العاملة 11,6 مليون شخص، مقابل أكثر من 16 مليون شخص يوجدون خارج سوق الشغل، وبمعنى آخر فإن عددا كبيرا من الأشخاص القادرين على العمل لا يشتغلون ولا يبحثون عن عمل أصلا، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول أسباب العزوف عن النشاط الاقتصادي وحول فعالية السياسات العمومية في مجال الإدماج المهني.
وتتجلى هذه الوضعية بشكل أكثر وضوحا لدى النساء، حيث ما تزال نسبة مشاركتهن في النشاط الاقتصادي ضعيفة جدا مقارنة بالرجال، وهو ما يحرم الاقتصاد الوطني من طاقات بشرية مهمة، ويحد من قدرته على خلق الثروة وتوسيع قاعدة المستفيدين والمساهمين في أنظمة الحماية الاجتماعية.
كما تؤكد المعطيات الجديدة أن الشباب ما يزالون يشكلون الفئة الأكثر هشاشة داخل سوق الشغل، ليس فقط بسبب البطالة، وإنما أيضا بسبب انتشار أشكال مختلفة من الشغل غير المستقر أو غير الكافي، وهو ما يعكس استمرار الفجوة بين منظومة التعليم والتكوين من جهة، وحاجيات الاقتصاد الوطني من جهة أخرى.
وتكمن أهمية المنهجية الجديدة كذلك في أنها لم تعد تكتفي بقياس البطالة فقط، بل أصبحت تقيس ما يسمى بالاستخدام غير الكامل للقوى العاملة، وهو مفهوم يشمل الأشخاص الذين يشتغلون لساعات أقل مما يرغبون فيه، أو الذين يرغبون في العمل لكنهم لا يستوفون جميع شروط البطالة بالمفهوم الإحصائي الضيق، وتبرز هذه المؤشرات أن حجم الصعوبات التي يعرفها سوق الشغل أكبر مما تعكسه معدلات البطالة وحدها، وأن جزءا مهما من المواطنين يوجدون في وضعيات هشاشة مهنية أو اقتصادية لا تظهر بالضرورة ضمن فئة العاطلين عن العمل.
ومن جهة ثانية، تكشف الوثائق المرجعية للمندوبية أن الاقتصاد المغربي ما يزال يعرف حضورا قويا للشغل غير المنظم، وهو ما يؤثر على الإنتاجية وعلى الحماية الاجتماعية وعلى استدامة أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية، كما أن الدراسة الاستشرافية الأخيرة تبين أن ضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، واستمرار الشغل غير المنظم، وتسارع التحول الديموغرافي نحو الشيخوخة، ليست ظواهر منفصلة، بل تحديات مترابطة تؤثر بشكل مباشر على مستقبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب.
كما تكشف هذه المعطيات أن إشكالية التشغيل ترتبط أيضا ببنية الاقتصاد الوطني نفسه، إذ لا يمكن خلق فرص شغل كافية ومستدامة دون الرفع من الإنتاجية وتشجيع الاستثمارات القادرة على توليد قيمة مضافة ومناصب شغل منظمة ومستقرة، فالتشغيل ليس فقط نتيجة لسياسات سوق الشغل، بل هو أيضا نتيجة مباشرة لخيارات الاستثمار والإنتاج والتكوين.
وتزداد أهمية هذه التحديات في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والأتمتة والتحول الرقمي، والتي ستؤثر لا محالة على طبيعة المهن والوظائف خلال السنوات المقبلة، كما أن استمرار الخصاص في اليد العاملة المؤهلة في بعض القطاعات الاقتصادية، رغم وجود البطالة، يكشف عن اختلالات حقيقية في منظومة التكوين وفي آليات المطابقة بين حاجيات المقاولات ومخرجات التعليم والتكوين المهني.
لذلك يبدو واضحا أن معالجة إشكالات سوق الشغل لم تعد تقتضي فقط خلق مناصب شغل جديدة، بل تتطلب بناء سياسة وطنية شاملة للتشغيل تقوم على رفع معدل النشاط الاقتصادي، خاصة لدى النساء والشباب، وتحسين جودة التكوين، ومحاربة الشغل غير المنظم، وتشجيع الاستثمار المنتج لفرص العمل، واستشراف المهن والكفاءات التي سيتطلبها اقتصاد المستقبل.
كما أن التفاوتات المجالية التي أبرزتها مختلف الدراسات تؤكد أن سوق الشغل المغربي لا يمكن تدبيره بمنطق مركزي موحد، بل يقتضي اعتماد مقاربات ترابية وجهوية تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل جهة وحاجياتها الاقتصادية والاجتماعية، وذلك في انسجام مع الاختيارات الدستورية للمملكة في مجال الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.
وخلاصة القول، فإن أهم ما تكشفه الوثائق الجديدة للمندوبية السامية للتخطيط هو أن مستقبل سوق الشغل بالمغرب لن يتحدد فقط بعدد العاطلين عن العمل أو بعدد مناصب الشغل المحدثة سنويا، بل بقدرة السياسات العمومية على تعبئة الرأسمال البشري الوطني، وإدماج الفئات غير النشيطة اقتصاديا، وتقليص الشغل غير المنظم، ومواكبة التحولات الرقمية والديموغرافية التي ستطبع المجتمع المغربي خلال العقود المقبلة.
فالمشكل الحقيقي اليوم ليس البطالة فقط، بل كيفية جعل العمل والإنتاج والمشاركة الاقتصادية في متناول جميع المواطنات والمواطنين، ولذلك فإن الرهان لم يعد يقتصر على خفض معدلات البطالة، وإنما أصبح يتمثل في بناء نموذج وطني للتشغيل قادر على تعبئة الرأسمال البشري وتحويل النمو الاقتصادي إلى فرص شغل لائقة ومنتجة ومستدامة.




























































