"ذاكرة العدم": الإنجيل السادس لإبراهيم الكوني في فلسفة الهجرة
متابعة: عبد الله الفرياضي
أصدرت المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، المملوكة للناشر الأردني ماهر الكيالي، العمل الأحدث للفيلسوف والروائي إبراهيم الكوني، المعنون بـ: "ذاكرة العدم: الشهادة في حق الإنسان الهِجري".
وفي هذا المتن المترع بأنين الكينونة، يواصل الكوني تشييد معمار مشروعه الفلسفي بلسان الوحي، مستندًا إلى بلاغة مشربة بالرمز وإشراق الرؤيا، ليواجه الإنسان بمرآته الوجودية: مرآة "الإنسان الحضري"، ذلك الكائن الذي أنجب أزمته الأنطولوجية من رحم خطايا التملّك والاستقرار، فحوّل الحضارة إلى صليب يثقل كاهل الإنسان المعاصر.
ومن تحت ركام هذه السقطة الوجودية، نحت الكوني مفهوم "الإنسان الهجري" كنداء خلاص، وكمعراجٍ روحي لإعادة التوازن الأنطولوجي المفقود إلى جوهر الإنسان.
الصحيفة الكونية
إذا كانت النصوص المقدسة، وعلى رأسها أساطير الأولين، قد أنبأتنا عن صحيفة تُعرض على كل فرد يوم الحساب، فإن الكتاب الجديد لإبراهيم الكوني يرفع السؤال إلى مقام أرحب: ماذا لو ظهرت هذه الصحيفة لا بوصفها شهادة فردية، بل بوصفها سجلًّا كونيًا للنوع الإنساني برمّته؟ عندها يغدو مؤلف "ذاكرة العدم" أشبه بـ"صحيفة كونية للوجود"، تدوّن مسار الإنسان من صفاء البدء إلى هاوية الحضارة؛ ذلك المسار الذي كشف من خلاله الإنسان أنه لا يسير في صراط مستقيم صوب القيامة، بل يدور في حلقة مفرغة، يعيد خلالها إنتاج خطايا الأسلاف: من سقطة آدم الأولى إلى دم قابيل المسفوك.
درب الخلاص
على امتداد 220 صفحة، يشيد الكوني خريطة ثنائية للوجود، تمتد من صرخة الابتداء إلى زفرة الانتهاء، ليكشف من خلال ثنائية الاستقرار والترحال سرّ الأزمة الإنسانية ومفتاح الخلاص منها أيضا. فالنجاة، في رؤيته، لا تنال بالانغماس في غواية الحضارة ولا بالرضوخ لوهم الاستقرار، وإنما بالتحرر من أغلال التملّك والاصطفاف إلى شريعة الهجرة، بوصفها مقامًا روحيًا ومعراجًا أنطولوجيًا. فالهجرة ليست حركةً في المكان، بل وقفة وجودية يتطهّر بها الكائن من دنس المدن ورجس العمران، ليعود إلى براءة البداءة حيث الطبيعة معبد والعدم فردوس مفقود. إنها اغتراب واعٍ، وارتقاء إلى شعفة الحرية، وتَجذّر في الفراغ لا بقصد الفناء، ولكن بغاية الامتلاء بالمعنى ومقاومة الوجود بضمير يقظ وفعل حر.
أسطورة الخلاص
يمعن الكوني في فضح خطايا الاستقرار، متتبعًا تحوّل الإنسان من مجتمع رعوي منصت بخشوع إلى نداء الطبيعة، إلى مجتمع زراعي دشّن بالتقنية والامتلاك قطيعته مع أمه الأولى. فتحوّل الكائن عبدًا وطاغوتًا، وتدثّر برداء الأيديولوجيا، فاقدًا كل صلة بسِرّه اللاهوتي. وهنا يقترح الكوني طريق نجاة يمرّ، لزوما، عبر استدعاء الذاكرة الهجرية الأولى من بطون الأساطير، لإحياء الهوية الأصلية واعتناق الميثولوجيا عقيدة للروح. غير أنّ البون الشاسع بين صفاء البدء وسقطة الحضارة، وما ترتب عن ذلك من عجمة الأساطير، يقتضي أن يتقدّم وسيط يفتح السبيل: هو اللغة.
لغة البدء
إذا كانت اللغة، كما نظَّر لذلك هايدغر، هي "المسكن الأصيل للكينونة"، وكانت المعاجم، بلسان نيتشه، مقابر لأطياف الأمم المتعاقبة، فإن الكوني يعلن في "ذاكرة العدم" أن الوجود لا يُشرق إلا إذا انبثق في اللغة. فهي الباب إلى سرّ الكينونة، والستر الذي يحفظه. ومن هنا سعى إلى استنطاق القواميس بمقاربة دياكرونية وأنثروبو-لسانية، ليخلص إلى أن لغات العالم كلها ليست سوى وجوه مطموسة للغة واحدة، هي اللغة الأمازيغية، لغة البدء واللاهوت والتكوين، التي بها وحدها تُفكّ شيفرة الكائن ويُستعاد سره الأصلي.
بشارة الهجرة
يرسم الكوني، في هذا السفر، الذي حق علينا وسمه بالإنجيل السادس بعد إنجيل نيتشه الخامس، صورة الإنسان ككائن آثم، كائن خان براءته الأصلية حين خضع لفتنة الاستقرار ووهم التملّك وسطوة السلطان. غير أنه يفتح له باب الخلاص بدعوته إلى اعتناق الهجرة شريعةً، والأسطورة ترياقًا، واللغة وسيطا بين الكينونة وسرّها. إنها بشارة "الإنسان الهجري"، الذي لا نجاة بدونه. فبه تتحقق العودة إلى البدء، وبه تُستعاد ذاكرة النسيان، حيث الهجرة مقام نجاة، والعدم ذاكرة مكنونة، والأسطورة دين الروح في رحلة التكفير عن خطيئة الحضارة.






























































