بروفيسورة بريطانية: الاستيقاظ ليلاً استجابة بيولوجية للدماغ وليس اضطراباً خطيراً
أفادت البروفيسورة ميشيل سبير، أستاذة التشريح في جامعة بريستول، بأن استيقاظ بعض الأشخاص في منتصف الليل ليس بالضرورة علامة على إصابتهم باضطراب صحي خطير، بل قد يكون مجرد استجابة بيولوجية طبيعية يصدرها الدماغ.
وأوضحت سبير، في حديثها لموقع "كونفرسيشن"، أن الدماغ لا يخلد إلى النوم تلقائياً لمجرد شعور الجسم بالإرهاق، إذ يمكن للتوتر المزمن أن يبقيه في حالة يقظة تامة وتأهب مستمر حتى وإن كان الجسد متعباً وبحاجة ماسة إلى الراحة.
ويعود ذلك إلى أن استجابة الإنسان للضغط النفسي قد تطورت عبر آلاف السنين لمواجهة الأخطار المباشرة مثل الحيوانات المفترسة والكوارث الطبيعية، حيث كانت الأولوية القصوى آنذاك هي للنجاة وليس للنوم؛ فعندما يشعر الدماغ بوجود تهديد، تنشط منطقة اللوزة الدماغية وتتحفز استجابة "القتال أو الهروب"، مما يدفع الدماغ لإفراز هرموني الأدرينالين والكورتيزول، وهو ما يؤدي بدورها إلى رفع ضربات القلب، وتسارع التنفس، وزيادة التركيز للتصدي للخطر.
ورغم أن هذه الآلية الدفاعية كانت ضرورية ومصيرية في العصور القديمة، إلا أنها لم تعد ملائمة لطبيعة الضغوط الحديثة التي يواجهها الإنسان المعاصر، والتي تظهر في شكل تراكم لرسائل البريد الإلكتروني، وأعباء العمل المتواصلة، والمشكلات المالية، فضلاً عن التنبيهات المستمرة التي تصل عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي.
ونظراً لأن هذه الضغوط العصرية لا تنتهي بسرعة، فإن مراكز اليقظة في الدماغ قد تظل نشطة لساعات طويلة، وهو ما يفسر استيقاظ الكثيرين ليلاً أو معاناتهم من صعوبة العودة للنوم مجدداً.
فالنوم ليس مجرد غياب لليقظة، بل هو عملية ديناميكية تتطلب من الدماغ خفض مستوى نشاطه تدريجياً، إلا أن الإجهاد المزمن يبقيه في حالة "فرط استثارة" تجعله يستمر في الترقب والتفكير، مما يفسر التناقض الذي يشعر به الكثيرون حين تكون أجسادهم مجهدة بينما تتسارع أفكارهم بلا توقف، وذلك لأن الإرهاق الجسدي واليقظة الذهنية يتحكم بهما نظامان مترابطان يعملان باستقلالية نسبية.
علاوة على ذلك، فإن التوتر المزمن يؤدي إلى تعطيل الإيقاع الطبيعي لهرمون الكورتيزول، الذي يفترض أن يكون في أعلى مستوياته صباحاً لتنشيط الذهن ثم ينخفض تدريجياً مع حلول الليل للمساعدة على النوم، وعند اختلال هذا التوازن الهرموني يظل الجسم في حالة استنفار متأخرة.
ويتفاقم هذا الأمر بسبب الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الإلكترونية للهواتف وأجهزة الكمبيوتر، والذي يثبط إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم الساعة البيولوجية، بالإضافة إلى أن التصفح المستمر يمنح الدماغ جرعات متواصلة من التحفيز الذي يجمع بين الإثارة العاطفية والبحث عن كل جديد، وهي مثيرات يصعب على الدماغ التغاضي عنها.
وبناءً على ذلك، تنصح البروفيسورة سبير باتباع روتين مسائي ثابت للنوم، والحد من استخدام الشاشات ليلاً، وممارسة الرياضة بانتظام، والتعرض الكافي لضوء النهار، لمساعدة الدماغ على إدراك أن الليل هو بستان للراحة وليس ملعباً لركض الأفكار، مؤكدة في الوقت ذاته على الفعالية الكبيرة للعلاج السلوكي المعرفي للأرق في كسر الحلقة المفرغة بين القلق وقلة النوم.
وتخلص سبير إلى أن الشعور بالنشاط الذهني رغم التعب الجسدي لا يعني بالضرورة نقص الراحة، بل هو انعكاس لدماغ بيولوجي تعود على البقاء في حالة تأهب دائم لمواكبة عالم رقمي لا يهدأ.




























































