ساركوزي أمام منعطف حاسم.. انطلاق المرافعات الختامية في قضية التمويل الليبي

ماي 11, 2026 - 11:53
 0
.
ساركوزي أمام منعطف حاسم.. انطلاق المرافعات الختامية في قضية التمويل الليبي

تتجه الأنظار في فرنسا، اليوم الاثنين، إلى محكمة الاستئناف التي تشهد انطلاق المرافعات الختامية في واحدة من أكثر القضايا السياسية والمالية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة، والمتعلقة باتهامات تمويل ليبي لحملة الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي الانتخابية سنة 2007.

وتأتي هذه المرحلة بعد نحو شهرين من الجلسات المكثفة التي أعادت إلى الواجهة ملفاً ظل لسنوات يثير اهتمام الرأي العام الفرنسي والدولي، بالنظر إلى تشعباته السياسية والقضائية وحجم الأسماء المتورطة فيه.

ويحاول ساركوزي، الذي سبق أن دخل التاريخ كأول رئيس فرنسي سابق يقضي عقوبة سجنية، استعادة حريته السياسية والمعنوية، في وقت يواجه فيه اتهامات ثقيلة تتعلق بالفساد وتلقي أموال عامة مسروقة وتمويل غير مشروع لحملته الرئاسية والتآمر الجنائي.

ومن المرتقب أن تكشف النيابة العامة، بعد غد الأربعاء، عن مطالبها النهائية بحق المتهمين العشرة الذين يخضعون لإعادة المحاكمة منذ مارس الماضي، وسط ترقب واسع لما إذا كانت ستتشبث بموقفها السابق الداعي إلى إصدار أحكام صارمة، أم ستتجه نحو تخفيف لهجتها مقارنة بالمحاكمة الأولى.

وكان الادعاء الفرنسي قد طالب خلال المرحلة الابتدائية بسجن ساركوزي سبع سنوات، إلى جانب تغريمه 300 ألف يورو ومنعه من تولي أي منصب عام لمدة خمس سنوات، معتبراً أن الرئيس الأسبق استفاد من أموال ليبية غير مشروعة لتمويل حملته الانتخابية مقابل تقديم خدمات سياسية وقضائية لنظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.

ورغم أن المحكمة أدانته لاحقاً بخمس سنوات سجناً بتهمة التآمر فقط، فإن القضية بقيت مفتوحة على جميع الاحتمالات بعد استئناف الحكم.

وتتمحور الاتهامات حول ما وصفه الادعاء بـ”اتفاق فساد” جمع ساركوزي وعدداً من المقربين منه، بينهم وزير الداخلية الأسبق بريس أورتفو والأمين العام السابق لقصر الإليزيه كلود غيان، مع النظام الليبي. وتشير التحقيقات إلى أن الأموال الليبية كانت تمر عبر حسابات رجل الأعمال الفرنسي اللبناني الراحل زياد تقي الدين، الذي لعب دور الوسيط بين الطرفين.

ومن بين أبرز النقاط التي أعادت إشعال القضية، الحديث عن تدخلات محتملة لفائدة المسؤول الاستخباراتي الليبي السابق عبد الله السنوسي، المطلوب لدى القضاء الفرنسي على خلفية تفجير طائرة “UTA DC-10” سنة 1989، وهو الهجوم الذي أودى بحياة 170 شخصاً، بينهم عشرات الفرنسيين. ويرى الادعاء أن بعض التسهيلات التي قُدمت للنظام الليبي كانت مرتبطة مباشرة بمحاولة مراجعة الوضع القضائي للسنوسي.

في المقابل، يواصل ساركوزي نفي جميع الاتهامات الموجهة إليه، مؤكداً خلال جلسات المحاكمة أنه لم يتم العثور على أي أثر لأموال ليبية داخل حسابات حملته الانتخابية، ومشدداً على أن القضية بنيت على شهادات متناقضة ووثائق غير حاسمة.

كما حاول فريق دفاعه في الأيام الأخيرة قلب موازين الملف من خلال تقديم وثائق جديدة قال إنها تكشف وجود نظام رشاوى بين زياد تقي الدين وعائلة السنوسي، معتبراً أن هذه المعطيات تمثل “حل اللغز” الحقيقي للقضية.

ورغم ذلك، لم تنجح هذه الخطوة في إقناع الأطراف المدنية، خاصة جمعيات مكافحة الفساد وعائلات ضحايا تفجير الطائرة الفرنسية، التي طالبت خلال مرافعاتها بإصدار أحكام صارمة وإنهاء ما وصفته بـ”حقبة الإفلات من العقاب السياسي”.

 ومع اقتراب مرحلة الحسم، تبدو هذه القضية اختباراً جديداً للقضاء الفرنسي في تعامله مع ملفات الفساد السياسي الكبرى، كما تشكل محطة مفصلية في المسار السياسي والشخصي لنيكولا ساركوزي، الذي يواجه اليوم واحدة من أكثر المعارك القضائية تعقيداً في تاريخه، وسط انقسام واسع داخل الساحة الفرنسية بين من يعتبره ضحية استهداف سياسي، ومن يرى أن القضية تكشف وجهاً خطيراً من تداخل المال والسياسة في أعلى هرم السلطة.