سلاح ذو حدين.. مفارقة فيتامين B12 وعلاقته المعقدة بالسرطان

غشت 25, 2026 - 05:00
 0
.
سلاح ذو حدين.. مفارقة فيتامين B12 وعلاقته المعقدة بالسرطان

يثير الباحثون اليوم تساؤلات معقدة حول العلاقة التي تجمع بين فيتامين B12 والسرطان، حيث أظهرت الدراسات أن ارتفاع مستوياته في الدم لدى بعض المرضى يرتبط بانتشار المرض ونتائج علاجية أكثر سوءاً، وفي المقابل، تشير أبحاث أخرى إلى أن انخفاضه قد يرفع أيضاً من خطر الإصابة، مما يجعل هذه العلاقة مزدوجة ولغزاً طبياً يحتاج إلى التفكيك.

ويعد B12 من الفيتامينات الأساسية للجسم، إذ يشارك في تكوين الحمض النووي (DNA)، وصيانة الأعصاب، وتكوين خلايا الدم الحمراء، واستقلاب الدهون والأحماض الأمينية. ويوجد هذا الفيتامين بصورة طبيعية في الأطعمة ذات الأصل الحيواني، مما يجعل النباتيين والأشخاص الذين يعانون من سوء الامتصاص عرضة لنقصه.

وقد بدأ اهتمام العلماء بهذه العلاقة نظرًا لدور الفيتامين المباشر في بناء وإصلاح الحمض النووي، حيث ساد الاعتقاد في البداية أن نقصه قد يمنع الخلايا من ترميم نفسها وبالتالي يزيد من احتمالية حدوث الطفرات السرطانية. غير أن دراسات لاحقة سجلت مفارقة لافتة تمثلت في رصد مستويات مرتفعة جداً منه لدى مصابين بسرطانات الرئة والثدي والمريء والقولون.

وهنا يوضح الخبراء أن ارتفاع مستوى الفيتامين في الدم لا يعني بالضرورة زيادة تناوله، بل يرتبط بطريقة تخزينه ونقله داخل الجسم؛ فبينما يختزن الكبد كميات كبيرة منه، تتدخل الأورام في هذه العمليات وتزيد بعض السرطانات من إنتاج البروتينات الناقلة له في الدم، مما يجعل هذا الارتفاع مجرد مؤشر أو علامة على وجود الورم وتطوره، وليس سبباً مباشراً له.

وفي هذا السياق، دعمت دراسة حديثة أجراها باحثون من فرع جامعة تكساس الطبي ونُشرت في مجلة Cancer Research Communications هذه الفرضية بعد تحليل بيانات 37,106 مرضى بسرطان القولون. وأظهرت النتائج أن المرضى الذين تجاوز مستوى B12 لديهم 1000 بيكوغرام لكل لتر كانت نتائجهم العلاجية أسوأ بوضوح، إذ بلغ متوسط بقائهم على قيد الحياة نحو 5 سنوات مقارنة بـ 11 عاماً لدى أصحاب المستويات الطبيعية. كما ارتفعت لدى أصحاب المستويات المرتفعة نسبة الوفاة واحتمالية تشخيص المرض في المرحلة الرابعة مع ظهور نقائل خاصة في الكبد خلال عام. وبفحص أنسجة الأورام نفسها، وجد الباحثون نشاطاً مرتفعاً لجين MTR المسؤول عن إنزيم يستغل B12 في عمليات بناء الحمض النووي، مما يشير إلى أن بعض الأورام قد تكون أكثر قدرة على استخدام الفيتامين لنموها السريع، دون أن يثبت ذلك كونه سبباً لنشأة السرطان.

وعلى الجانب الآخر، تكتمل الصورة المعقدة بدراسة أُجريت في فيتنام وشملت آلاف المشاركين بين مرضى وأصحاء، حيث أظهرت أن كلاً من الانخفاض الشديد والارتفاع الشديد في تناول B12 يرتبطان بزيادة خطر الإصابة بالسرطان مقارنة بالتناول المتوسط. ومع ذلك، تبقى هذه الدراسة ملاحظاتية قائمة على الاستبيانات ولا تثبت سببية مباشرة، خاصة أن أقصى معدل تناول سجلته كان قريباً جداً من التوصيات اليومية المعتادة (2.4 إلى 2.8 ميكروغرام).

وبناءً على المعطيات الحالية، لا تتوفر أدلة كافية للجزم بأن ارتفاع أو انخفاض فيتامين B12 يسبب السرطان بشكل مباشر، والأرجح أن التغيرات في مستوياته داخل الدم ما هي إلا انعكاس للتغيرات الحيوية التي يفرضها المرض على الجسم، مما يستدعي استمرار الأبحاث لفهم ما إذا كان للفيتامين دور فاعل في نمو الأورام أم أنه مجرد بصمة حيوية تدل عليها.