احتياطيات العملة وهوامش التمويل تمنح المغرب قدرة أفضل على امتصاص صدمة الشرق الأوسط
يرى تقرير حديث لوكالة S&P Global Ratings أن المغرب يوجد ضمن الاقتصادات الإفريقية الأقل انكشافاً نسبياً على التداعيات المباشرة للتوتر في الشرق الأوسط، بفضل توفره على احتياطيات أقوى من العملة الصعبة وهوامش تمويلية أكثر تنوعاً مقارنة بعدد من الدول الأخرى في القارة. ويأتي هذا التقييم في سياق تتزايد فيه الضغوط على الاقتصادات الإفريقية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والمدخلات الفلاحية، إلى جانب الاضطرابات المتصاعدة في سلاسل التوريد الدولية.
ويشير التقرير إلى أن حالة عدم اليقين ما تزال مرتفعة، سواء من حيث مدة النزاع أو حجمه أو أثره المحتمل على أسعار المواد الأولية والتجارة والائتمان. ووفق القراءة نفسها، فإن الخطر المرتبط بالحرب في الشرق الأوسط مرشح للتفاقم كلما استمرت الاضطرابات، خاصة أن أكثر من 75 في المائة من الدول السيادية المصنفة في إفريقيا تعد مستوردة صافية للطاقة والأسمدة، ما يجعلها أكثر عرضة لارتفاع الأسعار وتراجع هوامشها الخارجية.
في هذا المشهد، يستفيد المغرب من مجموعة عوامل تمنحه قدرة أفضل على امتصاص الصدمة. أول هذه العوامل هو متانة الاحتياطيات من النقد الأجنبي، التي تشكل خط دفاع أول أمام ارتفاع كلفة الواردات وتذبذب الأسواق. وثانيها يتعلق بوجود أسواق رأسمال محلية أعمق نسبياً، تسمح للمملكة بتعبئة موارد أكثر تنوعاً وتقليص الاعتماد على التمويل الخارجي في فترات التوتر. ويضع التقرير المغرب، من هذه الزاوية، ضمن الاقتصادات الإفريقية التي تتوفر على أدوات تعديل أفضل من غيرها، إلى جانب بلدان أخرى مثل جنوب إفريقيا ومصر في ما يتعلق بعمق الأسواق المحلية.
لكن التقرير يوضح في المقابل أن هذه الوضعية الأفضل لا تعني أن المغرب بمنأى عن الخطر. فارتفاع سعر خام برنت بنحو 50 في المائة منذ بداية السنة دفع الوكالة إلى اعتماد فرضية متوسط سعر في حدود 85 دولاراً للبرميل لبقية سنة 2026، وهو ما يخلق ضغطاً مباشراً على ميزان الأداء وعلى كلفة الواردات الطاقية. كما يحذر التقرير من آثار غير مباشرة قد تظهر عبر التضخم، وارتفاع الطلب على العملات الأجنبية، والضغط على أسعار الصرف، وارتفاع كلفة إعادة التمويل المحلي، وهي تطورات من شأنها أن تقلص هامش التحرك المالي حتى لدى الاقتصادات الأكثر تماسكاً.
ولا تتوقف الضغوط عند الطاقة فقط، بل تمتد أيضاً إلى الأسمدة، وهي نقطة حساسة بالنسبة للقارة كلها. فارتفاع أسعار الأسمدة قد ينعكس على الإنتاج الغذائي المحلي ويزيد الضغط على ميزانيات الأسر، خصوصاً في ظل اعتماد إفريقيا الكبير على واردات الكبريت القادمة من الشرق الأوسط. ويشير التقرير إلى أن ما بين 40 و45 في المائة من شحنات الكبريت المصدّرة من هذه المنطقة تتجه نحو إفريقيا، ما يجعل أي اضطراب فيها ذا أثر مباشر على كلفة الإنتاج الزراعي. كما يتوقع التقرير أن يؤدي هذا الوضع إلى تدهور مراكز الحساب الجاري في أغلب الدول الإفريقية، بعد فترة من التحسن النسبي في السنوات الماضية.
ويضيف التقرير أن القارة تواجه أيضاً قيوداً مالية حادة، إذ تخصص الدول الإفريقية في المتوسط نحو 17 في المائة من إيراداتها العمومية لخدمة الدين، مقابل معدل عالمي أقل بكثير. وهذا يعني أن قدرة الحكومات على التدخل عبر الدعم أو امتصاص الصدمات تبقى محدودة، خاصة إذا استمرت أسعار الوقود في الارتفاع واضطرت بعض الدول إلى التراجع عن إصلاحات سابقة في مجال دعم الطاقة.
وعليه، يقدم تقرير S&P صورة متوازنة عن وضع المغرب: المملكة ليست خارج دائرة التأثر، لكنها تبدو أفضل استعداداً من عدد من الاقتصادات الإفريقية الأخرى بفضل قوة احتياطياتها وتنوع أدواتها المالية. وبذلك، فإن ما يميز الحالة المغربية ليس غياب الخطر، بل امتلاك قدر أكبر من القدرة على تخفيف أثر الصدمة وامتصاصها في بيئة إقليمية ودولية تتسم بقدر عالٍ من التقلب وعدم اليقين.




































































